ابن الوزان الزياتي
441
وصف افريقيا
وظلت مدة طويلة غير مأهولة حتى زمن المهدي ، الخليفة الشيعي ، الذي عمل على إعمارها بالسكان . ولكن لم يعمر منها سوى واحد من عشرين من رقعتها التي كانت مسكونة بالأصل . وترى في بعض أمكنتها أسوار كاملة ، فضلا عن خزان ماء ذي سعة كبيرة جدا . وكانت هناك قناة تأتي إلى قرطاج بالماء من جبل يقع على مسافة ثلاثين ميلا من هنا ولا تزال كاملة على حالها . ولهذه القناة نفس ارتفاع القناة التي تقود الماء إلى القصر الكبير في روما « 82 » . وقد ذهبت إلى مأخذ الماء الذي يغذي قناة قرطاج « 83 » . وتظل القناة على مستوى سطح الأرض على مسافة طولها عشرة أميال « 84 » لأن الأرض مرتفعة بجوار الجبل . وكلما ابتعدت عن الجبل ، وكلما انخفضت الأرض ، أصبحت القناة أعلى فأعلى إلى أن تصل إلى قرطاج . وقد رأيت كذلك في خارج المدينة كثيرا من الأبنية القديمة والتي لم أعد أتذكرها بصورة دقيقة في الوقت الحالي . ويقوم حول قرطاج ، ولا سيما من الغرب والجنوب ، عدد عظيم من مزارع الأشجار المليئة بالثمار التي لا تقل رونقا في نوعها وجودتها عن حجمها ، وخاصة الدراق والرمان والزيتون والتين . وتستمد تونس من هذه المزارع فواكهها . والأراضي الزراعية المجاورة لها طيبة للزراعة ولكنها صغيرة الرقعة للغاية . إذ يقع البحر من طرف الشمال ومن الشرق ، وبحيرة حلق الواد من الجنوب ، والتلال من الغرب ، ومن ورائها تتاخم سهول بنزرت التي تؤلف قسما من أراضي هذه المدينة الأخيرة . أما اليوم فقد آلت مدينة قرطاج إلى حالة قصوى من البؤس فلا نجد فيها أكثر من عشرين أو خمسة وعشرين دكانا وحوالي خمسمائة من البيوت القبيحة المنحطة . ولكن يوجد فيها جامع جميل ، شيد في أيامنا ، ومدرسة ليس بها أي طالب ، حتى أن عوائدها تصرف إلى الخزينة الملكية .
--> ( 82 ) أي إلى قصر البالاتان في روما . ( 83 ) أي إلى نيمفيا الرومانية الواقعة على مسافة 55 كم جنوب تونس قرب المدينة الصغيرة زغوان والتي تجمع الماء من عدة عيون في جبل زغوان . ( 84 ) 16 كم .